الشوكاني
502
فتح القدير
تفسير سورة الكوثر هي ثلاث آيات وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل ، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت سورة الكوثر بمكة . سورة الكوثر ( 1 - 3 ) قرأ الجمهور ( إنا أعطيناك ) وقرأ الحسن وابن محيصن وطلحة والزعفراني " أنطيناك " بالنون . قيل هي لغة العرب العاربة . قال الأعشى : حباؤك خير حبا الملوك * يصان الحلال وتنطى الحلولا و ( الكوثر ) فوعل من الكثرة وصف به للمبالغة في الكثرة ، مثل النوفل من النفل ، والجوهر من الجهر : والعرب تسمى كل شئ كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرا ، ومنه قول الشاعر : وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا * فالمعنى على هذا : إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية . وذهب أكثر المفسرين كما حكاه الواحدي إلى أن الكوثر نهر في الجنة ، وقيل هو حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الموقف قاله عطاء . وقال عكرمة : الكوثر النبوة . وقال الحسن : هو القرآن . وقال الحسن بن الفضل : هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع . وقال أبو بكر بن عياش : هو كثرة الأصحاب والأمة . وقال ابن كيسان : هو الإيثار . وقيل هو الإسلام ، وقيل رفعة الذكر ، وقيل نور القلب ، وقيل الشفاعة ، وقيل المعجزت ، وقيل إجابة الدعوة ، وقيل لا إله إلا الله ، وقيل الفقه في الدين ، وقيل الصلوات الخمس ، وسيأتي بيان ما هو الحق ( فصل لربك ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والمراد الأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بالدوام على إقامة الصلوات المفروضة ( وانحر ) البدن التي هي خيار أموال العرب . قال محمد بن كعب : إن ناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون صلاته ونحره له . وقال قتادة وعطاء وعكرمة : المراد صلاة العيد ، ونحر الأضحية . وقال سعيد بن جبير : صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع ، وانحر البدن في منى . وقيل النحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر قاله محمد ابن كعب . وقيل هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى حذاء نحره . وقيل هو أن يستقبل القبلة بنحره قاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص . قال الفراء : سمعت بعض العرب نتناحر : أي نتقابل : نحر هذا إلى نحر هذا أي قبالته ، ومنه قول الشاعر : أبا حكم ما أنت عمرا مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر أي المتقابل . وقال ابن الأعرابي : هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب ، من قولهم : منازلهم تتناحر